|
لا
يُشغل تفكيرَك تلك النظرةِ
اللاواعيةِ في الشرق، والتي ترى
الأُنثى، وكأنها شيءٌ يجب أن
يُحتفظ به داخلَ الجدران والأبواب
المغلقة..
أما في بيت
الزوجيّةِ فللأمر شأن آخر.."
هكذا تمضي الحكاية..
وبينما هي تمضي، تتجلّى لنا
الثنائيّةُ الضديّةُ في عالم
المرأة، فهناك امرأةٌ أخرى، والتي
هي شقيقتُها "وِداد"، فعلى الرغم من
نشأتِها في نفس المجتمع الذكوري
المقيَّد بالحدودِ الجندريّةِ،
وكونِها عاشت نفسَ الظروفِ
البيئيّةِ، فيها عائلةٌ تهيمن
عليها الذكوريّةُ.. لكنها، أي
شقيقتُها، تمرّدتْ على هذه القيمِ
والمفاهيمِ السائدةِ، المقيِّدة
في مجتمعِها، واستطاعت، مثلَها
مثلَ كثيرات غيرَها، تحديْن
الصفاتَ السلبيّةَ لمفهومِ
الهويّةِ الجنسيّةِ، أن تستجمعَ
شجاعتَها، وتزيل العوائق
المقيِّدة التي أوجدَها أمامَها،
كي تتخطّى هذه الحدود.. وتكتسبَ
هويّةً ثقافيّةً بديلةً، تمجّدُ
الحريّةَ، والكرامةَ، والتعليمَ،
والتثقيف..
لكنْ، في مقابل ذلك، كان ذلك
الجسرُ الصغيرُ بينها وبين
عائلتِها، للتخفيف من التصادم مع
من حولَها، وليكون مشهدَ تماسٍ
وصلةٍ بين أُنثى، كسرَت بعضَ
المعايير التي استساغت تقييدَ
الإناث في البيت، والتي هي وِداد..
وعائلتِها..
وها هي الراويةُ تقول:
"وهكذا كانت وِدادُ من طينةٍ
مختلفةٍ عنّي تماماً، لم تُخلقْ
لتكون مجرّدَ ربّةِ بيت مثلي، لا
عمل لها سوى العناية بالبيت
والزوج والأولاد، مربوطةً ببيتِها
ومطبخِها بواسطةِ خيوطٍ قويّة.."
الهيمنةُ المونولوجيةُ واضحةً في
الرواية. فالراوية لا تجدُ في ظل
عزلتِها، لمواجهةِ مشاكلِها
وانكساراتها النابعةَ من خيانات
زوجها، وبخله العاطفي، وخيبة
أملها فيه، غيرَ الإنكفاءِ على
ذاتِها، وهي تحاولُ أن تستعيدَ
التوازنَ المفقودَ منها، فقد شاءت
الظروفُ أن تجعلَها تعيدُ النظرَ
في كونِها امرأةً، وزوجةً، وأماً
فقط، والسيطرةُ والهيمنةُ للرجل،
يبيحُ لنفسه ما يشاء ويفعلُ ما
يشاء، فتخلُق ظروفاً مغايرةً للتي
اعتادتها، لتسلكَ مثلَ شقيقتها
المراحلَ التطوريّةَ، والسائدةَ
ثقافياً بين بعض الفئاتِ في
المجتمع، والتي ساهمت في تعزيزِ
شخصيتِها، وفتحتْ أمامَها آفاقاً
جديدةً من المعرفةِ للذّاتِ وما
حولَها.. ومن خلالِ هذه الآفاق،
أخذتْ تعيدُ النظرَ في هويّتِها،
وفي هويةِ الرجلِ الذي تعيش معه..
أنا هنا لا أدين دور المرأة
الزوجةِ والأمِ وربةِ البيت، فهو
لا شكَ أنبلُ الأدوار وأعظمُها
على وجه الأرض، ولكنني أُدين
تهميشها، وتعليبها، والدوْس على
كرامتها، واختزالَها في هذا الدور
فقط، دون مراعاةٍ لمشاعرِها
وكونِها امرأةً لها من الحقوق،
مثلما عليها من الواجبات.
أجواءُ الحكاية وخاصةً في البدايةِ
محدودةً، والتي هي من سماتِ بيئةِ
المرأة، التي اعتادت جدران بيتِها
وزوجِها وأولادِها.. المرأةِ
المهمّشةِ، التي تخضعُ للسلطةِ
الذكوريّة،ِ وتعيشُ في عباءةِ
الرجلِ، ويقتصرُ دورُها على رعايةِ
الزوجِ والأولادِ والبيتِ، وتعيشُ
ضمنَ نمطيّةٍ محدّدةٍ ووتيرةٍ
واحدةٍ لا تتغيّرْ..
ولكن هذه الأجواءُ تتغيرُ
بسِماتِها وتقلّباتِها فيما بعد،
عندما تنطلقُ هذه الأنثى إلى
أجواءَ أرحبَ، وأكثرَ انطلاقاً
وحريّةً.. فتأخذُ بنفسِها إلى
القراءةِ، وإكمالِ تعليمِها، لتجدَ
نفسَها، في احتكاكٍ مع الظروفِ
الخارجيّةِ والطبيعيّةِ،ِ
والتركيبةِ الجديدةِ للمجتمع،
والتي تتحرّكُ فيها الأُنثى ضمنَ
حدودٍ جديدةٍ أصبحتْ متاحةً لها،
وأكثرَ اتساعاً ورحابةً..!
في سياقِ الروايةِ، نرى عدّة وجوهٍ
للمرأةِ واضحةً للعَيان، الأنثى،
الزوجةَ الطيّعةَ والتي عليها أن
تتقبلَ خِياناتِ زوجها وبخلهِ
العاطفي، والأمَ المتفانيةَ في
سبيل أولادها، ثم المتمردةَ على
أوضاعِها.. لكن الطريق يقود
الراوية، وهي تحاولُ اللحاقَ
برِكاب الزمنِ، إلى العشق الذي لم
تَخْبرْهُ وهي مع زوجها..
وها هي تحتفي بلحظة العشق التي
أدهشتها، فجعلتها تقول:
"وبدأتُ
أشعر أن شيئاً لذيذاً يدخل مع
الهواء إلى رئتيّ، كالنبتة التي
عادت إليها الحياةُ، بعد أن ذبُلت
واصفرّت لقلة السقايةِ
والرعايةِ..
"وأن
المكان حولي ، والذي يشي بألف
حكاية وحكاية، يروي حكايتنا
ويحتفي بها، فأصبحتُ أقرأُ إسمي
وإسمَك مكتوبين على جميع معالم
عمّان.. على الهضاب السبع الساهرة
حيث تغفو عمّانُ على سفوحها في
ساعات المساء بسحرها الرائع.. على
أرجاء الساحة الهاشميّة.. على
المدرّج الروماني في أسفل الهضبة
والقلعة في أعلاها.. على المسجد
الحسيني الكبير هناك.. وعلى كل
شيء جميل ورائع حولي..! وخشيتُ أن
يسمعَها أو يقرأها الجميع ويفتضحَ
أمري..
وهكذا أحببتُك وكفى..
أحببتُكَ، وأصبح الأمرُ محسوماً..
أخبئه كزهر الربيع في أعماقي..
وأُغلقُ عليه بروحي..
أحببتُكَ، ولا يهُمّ إن قال الناس
عنّي كائن عاقل أو مخبول..!
لقد أحببتُكَ.. وليكن ما يكون..!
فمرحى مرحى بالحبّ..!
مرحى بالحبّ الذي أصبح ينير سمائي
ويملأ مساحاتِ فراغي..!
مرحى بتلك الطاقةِ الضوئيّةِ التي
انفتحت أمامي، فجعلتني أكتشفُ
حقيقةَ الحياة ومعنى أن تُعاش..!
وها أنا أحتضنُ لحظة العشق بعد أن
أحببتُها، بدل أن أرجئَها لوقت
آخر، وأقول لها: "ليس الآن..!".
فرفقـاً رفقـاً..!
رفقاً أيتها اللحظة الجميلة..
ضمّيني.. وإياك أن تهربي وتفلتي
مني..!
رفقاً أيها القمر الساطع.. أحجب
عني ضوءَك الذي يبهرني ويزغلل
عيني.. فأنا أحبّ.. أنا أحب
ويكفيني إشعاعُ ذلك الحبِّ في
داخلي.. إنه يجعلُني الأبهى،
ويضيءُ كلَ ما حولي.. فلا أشعر
بالظلمة أو بأحد سعيد مثلي..!
رفقاً أيتها النجوم المتلألئة
حولي .. إياك أن تعاكسيني..!
وأنت أيها الشتاء.. لقد كنت شتاءً
جيداً جداً.. في الواقع، شتاءً
رائعاً..!"
الزوجةُ والأمُ لا جدال بينهما..
ولكن، ماذا عن العاشقةِ المتمرّدة،
والتي تتنافى بالذات مع كونِها
أماً..؟
وفي النهايةِ، نرى أن الهيمنةَ
الذكوريّةَ هي السائدةُ، والتي
اكتشفت الراوية، أنها عاجزةً عن
موازنتِها، لتكتفي بكونِها أماً..
ولاشيء غير ذلك..
سوزان الراسخ
|