|
ســوزان
الراســخ
أكدت الكاتبة سوزان الراسخ أن
الحب بمفهومه الواسع للوطن ،
والجسور التي كانت دوما محطات
أمام القضية
الفلسطينية، كانا وراء تفكيرها
بتأليف روايتها الأولى التي صدرت
مؤخرا عن دار الكرمل للنشر
والتوزيع الأردنية، وبدعم من
وزارة الثقافة، مشيرة إلى أن
الإنسان ما هو إلا نتيجة حتمية
لكل ما مرّ به فكانت هذه الرواية
لتلخص واقعاً تاريخياً وطنياً.
رحلة حياة لأسرة نابلسيّة عاشت ّمراحل
الاحتلال تتحدث عنها الراسخ في
روايتها الأولى وعن تفاصيل
تأليفها تتحدث لمجلة
"أنت" في
الحوار التالي:
أنت: نود
معرفة من هي سوزان الراسخ وكيف
اتخذت قرار الكتابة؟
أنا من مواطني مدينة نابلس
الفلسطينيّة وقبل حوالي ثلاثة
سنوات، انتقلت إلى الأردن
للالتحاق ببقية الأهل، وللحقيقة
لم يكن من الصعب علي الإقامة هنا،
فمعظم عائلتي تقيم هنا وكنت دائمة
الزيارة لها. وحالنا حال معظم
العائلات الفلسطينيّة التي
أرغمتها ظروف الاحتلال على ترك
بلدها والاستقرار في إحدى دول
الجوار.. وآخر عمل لي في نابلس
كان في إحدى المراكز البحثيّة
هناك نقوم بتحرير وصياغة الأبحاث
المختلفة التي ينجزها أكاديميون
مختصون في الميادين العلميّة،
وهؤلاء الأكاديميون والباحثون كان
يجري استقطاب بعضهم من مختلف
الدول العربيّة وأمريكا وأوروبا.
وساهم عملي هذا في فتح الكثير من
الآفاق الفكريّة والتعبيريّة
أمامي. وبالنسبة لي اضطررت
لمغادرة مدينتي نابلس لسببين
رئيسين أولهما: خسارتي وظيفتي
لإغلاق المركز إثر أحداث
الانتفاضة. والثاني: رغبة والدتي
أن تكون إلى جانب أبنائها هنا في
عمان.
تجربة
الكتابة
أنت: أرجو
أن تحدثينا عن تجربتك في الكتابة
.. وكيف بدأت..؟
بدايتي مع الكتابة من خلال بعض
المقالات في الصحف اليوميّة هنا
في عمان، أما عن رواية "الحب
والجسور" فقد خطر لي أن أصدر هذه
الرواية، وهي خطوة غير مسبوقة
ومتأخرة بالنسبة لي. بعد قراءة
العديد من الخواطر والأفكار التي
كتبتها في وقت من الأوقات خلصت
منها إلى حقيقة أن الإنسان ما هو
إلا نتيجة حتميّة لما مرّ عليه
وعلى آبائه من أحداث.. فأنا أرى
أن شيمة الحياة التغيّر والتبدّل
وهي تتناغم مع ما تأتي به الأيام
من تيارات مختلفة. وهكذا تجمعت
لديّ النواة لرواية بنيتها على
هذه الحقيقة وأردت لها أن تلمس
الواقع اليومي الفلسطيني من خلال
التطرّق للكثير من القضايا
والمشاهد اليوميّة والتي كان لها
أبعاد كثيرة على حياة أفرادها،
حاولت تناول بعضها، بقدر ما
استطعت فأعكس شيئاً من الحسّ
القومي الوطني الشعبي.. الذي يبقى
في إطار قريب من الخصوصيّة
باعتبار خصوصيّة وتاريخ وجغرافيّة
مدينة نابلس وهي تنسج خيوط
أحداثها.
ما وراء
العنوان
أنت: لماذا
اخترت "الحب الجسور" عنواناً
للرواية وماذا الذي أردت قوله من
خلال هذا العنوان..؟
قصدت بـ "الحب" الحب بمضمونه
الكبير، حب الوطن والأهل والحبيبة..
تلك الومضة الرومانسية القصيرة
التي عادة ما تضيء ظلام الحروب
والمآسي على جميع الأصعدة..
فالإنسان لا يتوقف عن الحب حتى في
أحلك الظروف.. و" الجسور" نقاط
عبور وتحليق في أجواء مختلفة تشمل
البعد التاريخي والسياسيّ والفكريّ
والعاطفي والإنسانيّ منها. فهي
تتجاوز الجسور بالمعنى المكاني
فقط. الرواية تتناول حقبات عديدة
من الزمن ولكل حقبة خصائصها
ومعالمها وصورها فكانت الجسور هي
نقاط اجتياز لشخوص الرواية من
حقبة إلى حقبة ومن مكان إلى مكان.
ملخص عن
الرواية
أنت: ماذا
عن الشخصيات الرئيسية في روايتك
بشكل عام..؟
"صفاء" في هذه الرواية، ابنة عائلة
نابلسيّة تمثل نموذجاً
للفلسطينيّات اللواتي نشأن في ظل
عوائل لها نصيب وافر من الثراء
والمدنيّة، تتحدث وهي تعود
بذاكرتها إلى الوراء ثم تمضي قدماً
حتى أيامنا الحاضرة، عن التطورات
السياسيّة المحليّة والعالميّة
التي طرأت على مدينة نابلس منذ
القرن الماضي وانعكست على حياة
مجتمعها وأفرادها. ومن خلالها
رصدت الرواية عالم المواطن
الفلسطيني، والنابلسي بالتحديد
والتيارات التي عصفت به ومدى
تأثيرها على حياة الأفراد
والمجتمع، لتأخذ شكلاً هرميّاً في
بنائها، ليس فقط من حيث اعتمادها
على التسلسل المنطقي والتاريخي
للأحداث وفي قفزات شخوصها - بما
فيها الحيّز الجغرافي نابلس والتي
هي إحدى شخوصها - إنسانيّاً،
فكريّا، اجتماعيّا وسياسياً. هذه
القفزات عملت على تطّور الشخصيات
فترى "صفاء" أخرى في نهاية الرواية،
فهي في البداية تقول: " أنا دائماً
لاهية فرِحة مرحة"
وتقول "صفاء" فيما بعد: كان أيْمن
شيئاً فشيئاً يُولّد في داخلي
نهجاً لذيذاً في التفكير، حتى
ميوله السياسيّة ومبادئه وتوجهاته
أخذت تتسرّب إلى داخلي وتسكُنها
وأنا أحاول فهمها وأُحاورها في
داخلي بحب مَشبوب". أيضاً أيمن
ظهر لنا غارقاً في أتون وغليان
هموم وطنه لكن الستار يُسدَل وهو
يقول: "أنا لا أشعر بالندَم على
ما فات.. ولكنني لا أستطيع أن
أمحو طعْم المرارة من داخلي..!"
أية مرارة عنى: هل هي خيبة الأمل
على الصعيد الوطني؟ أم خيبة الأمل
على الصعيد الشخصي؟ أم كلاهما..؟
معايشة الأحداث
أنت: السرد التاريخي في الرواية ِذكر
أمكنة في مدينة نابلس بأسمائها
الحقيقية بالإضافة إلى وصف الكثير
من صورها الشعبيّة ومعالمها
الاجتماعيّة حضوراً واقعيّاً طال
جميع أحداث الرواية لدرجة جعلت
القارئ لا يستطيع أن يفصل
المُتخيّل عما هو واقعي، فما مدى
صحة ذلك؟
أعتقد أن
القصة الجيّدة هي الأقرب إلى
ملامسة الواقع اليومي، لذلك جهدت
بأن أكون صادقة وأنا أحاول تصوير
بعض معالم عالم المواطن الفلسطيني
الواقعي. أقر بأنه تصيبني بعض
الغبطة والسرور لكوني استطعت أن
أجعل المُتخيّلّ يخرج إلى أرض
الواقع فيماثل ما هو واقعي وهذا
ما أسميه "الخيال الواقعي" أو "الواقع
المُتخيّل"..
كنت واقعية تماما أثناء التطرق
إلى مختلف التيارات التي عصفت في
مدينة نابلس من سياسية واجتماعية
وفكرية، ولو لم أكون كذلك أكون قد
ارتكبت خطاً فنياً منهجياً..
والشيء نفسه حين أوردت بعض الصور
الشعبية والعادات والتقاليد وسمات
المكان (نابلس) تركيبتها
الجغرافية والبلدة القديمة فيها
وبعض الأحداث وما طرأ على هذه
الأساليب الحياتيّة من تغيّرات
نتيجة لوقائع وأحداث عامة ومعروفة
مرّت بها نابلس مثل غيرها من
المدن الفلسطينية. فالكاتب مثله
مثل أي إنسان على الأرض يكون
لحياته وتجاربه الخاصة وما عاشه
وعاينه ورآه وسمع به أثر كبير
عليه وعلى ما يتخيّله ويكتبه..
فروايتي فيها الفضاء المشترك،
والخاص، والمُتخيَّل، يتقاطع فيها
الذاتي الواقعي المعاش
بالمُتخيَّل ويستطيع الناقد دائما
أن يلمس هذا التداخل بسهولة..
السرد
والواقعية
أنت: كيف
استطعت في روايتك "الحب والجسور"
المواءمة بين السرد التاريخي
والمشاهد الحياتيّة..؟
في روايتي عمدت إلى تحميل مثل هذا
السرد في سياق الحوار.. وأصعب ما
واجهني هو محاولة استحضار تفاصيل
لحياة أشخاص ينتمون إلى الماضي
البعيد مع الحاجة إلى استيعاب
أجواءهم العامة والخاصة ومعادلة
ربط الكثير من المناخات المتنوعة
جغرافياً وسياسياً واجتماعياً مع
المحافظة على عنصر التشويق في
الرواية ودون أن أرهق ذهن القارئ
وأشتت أفكاره بالسرد التاريخي
الجاف الخالي من أي أثر للمشاعر
وخلجات القلوب، وعذراً إذا لم
أوفق في بعض الأحيان في تجاوز مثل
هذه المطبّات، فيكفي أنني كنت على
وعي منها وحاولت تجنبها قدر
المستطاع..
اللهجة
النابلسيّة العاميّة
أنت: لجأت
في مواقع، مع أنها قليلة في
الرواية، إلى اللهجة النابلسيّة..
واستعنت ببعض المفردات الشعبيّة
الي يتداولها أهل نابلس، فهل هل
تعتقدين أن الاستعانة بمفردات
لغويّة محلية قد تعيق انتشار
الرواية..؟
استطعت أن أعكس الروح النابلسيّة
من خلال هذا القدر القليل جداً
وتمنّيت حقا لو أستطيع أن أستخدم
"اللهجة" النابلسيّة في الحوار من
ألفه إلى يائه, لكنني خشيت أن
تكون بعض الكلمات عصّية الفهم عند
القارئ، خصوصاً أن أهل نابلس
يميلون، إلى جانب ولعهم بأكل
الكنافة النابلسيّة، الى إمالة
الألف الى الياء, وبالتالي تصبح
بعض المفردات الشعبيّة المحليّة
صعبة على المتلقي... وأنا لا أجد
في ذلك سببا قد يعيق من انتشار
الرواية لكن يستحسن توضيح الكلمات
عصيّة الفهم فيها بين قوسيْن
للتسهيل على القارئ..
الحصر
الجغرافي
أنت: في
روايتك "الحب الجسور" نستطيع أن
نلمس حصر الحيّز الجغرافي في بقعة
صغيرة هي مدينة نابلس الفلسطينيّة..
هل يمكن اعتبارها أدباً محليّاً
وفي نفس الوقت تعرض حال القضية
الفلسطينيّة بشكل عام ..؟
لا أستطيع أن أنكر أو أنفي أن
الرواية يمكن وصفها أدباً محلياً
يحمل إضاءات سريعة للدلالة على
المكان والزمان وفيها الكثير من
خصوصية المكان، نابلس، وهذه
الخصوصيّة لا يمكن أن أعتبرها
كمأخذ أو نقطة سلبيّة، فنحن في
زمن العولمة والفضول لمعرفة الآخر،
وحتى لو كان هذا الآخر بقعة صغيرة
مثل نابلس، وفي ظل الديجتال
والإنترنت والفضائيات أصبحنا هنا
في الشرق منفتحين مثل غيرنا على
العالم أجمع ونهر المعلومات في
تدفق مستمر ودون حواجز ولم تعد
بقعة في الأرض مهما بعُدَت بمعزل
عن غيرها. فكثير من الروايات
جاءتنا وهي تحمل قدراً، ربما
كبيراً، من الخصوصيّة وحظيت مع
ذلك بقدر كبير من الانتشار وساهمت
بأخذ القارئ أينما كان في رحلة
إلى ذلك المكان وأثرته بمعلومات
عنه وطبيعة الحياة فيه على جميع.
والخصوصيّة في رواية "الحب
والجسور"بالذات يستطيع القارئ،
وخاصة في الوطن العربي، أن
يستوعبها ويتفهمها بسهولة كوْن
معظم مناطق الوطن متشابهة في
عوالمها اليومية وصورها الشعبيةّ
وظروفها إلى حدّ كبير، وقد خبِرَت
نوعاً من الاحتلال وممارساته في
وقت من الأوقات. فالاحتلال هو
الاحتلال أينما كان، ممارساته
تتشابه، بل تكاد تكون نفسها،
أينما كانت.، لكن تأثيرها على
الأفراد والمواطنين تأتي بدرجات
متفاوتة.. لكنني أود أن أوضح هنا
أنني عندما أسهبت في وصف مأساة
سقوط مدينتي نابلس بيد الاحتلال
بما فيها من قلق وخوف ومعاناة على
الجسور والحواجز وأثناء التنقل من
مكان إلى مكان عبر الأراضي
الفلسطينيّة. فإنني أتحدث وكأنني
أتحدث عن كل المدن الفلسطينيّة..
لكنني اخترت نابلس لأنني عشت
وتربيْت فيها، ولم أُرِد أن
أغادرها في روايتي هذه فجعلتُها
رمزاً حياً لبقية المدن
الفلسطينيّة ومسرحاً لأحداثها
وموطناّ لشخوصها. كل ذلك جعل بعض
النقاد يخلصون إلى كون الرواية
تنتمي إلى "أدب المدن".
أنت: هل
يمكننا تصنيف روايتك على أنها
كتاب توثيقي يتعلق بمدينة نابلس..؟
لا أستطيع أن أعتبره كتابا
توثيقًا بالمعنى الحرفيّ للكلمة،
لكنه يحمل الكثير من خصوصيّة
المكان، وهي خصوصيّة مدينة نابلس
الفلسطينيّة، هذه الخصوصيّة كما
قلت سابقاً لا يستطيع أحد أن
يعكسها إلا من عاش فيه.
قضايا المرأة في الرواية
أنت: تطرقت الرواية إلى الكثير من
قضايا المرأة، فهل يمكن اعتبار
ذلك من مفردات الأدب النسوي وإحدى
سيماته..؟
الكتابة هي دائما تجربة فرديّة
حيّة في الواقع والمُتخيّل وإن
كانت تحمل هويّة نسويّة أو
ذكوريّة، فهي تظل هويّة إنسانيّة
قبل كل شيء على الرغم من بعض
الفروقات، مثل تلك المفردات التي
تعبّر عما تعانيه المرأة بصفتها
أنثى.. فهي مثلا عندما تتحدث عن
تجربة الطلاق فإنها تتناولها بشكل
جدّ مختلف عن الرجل.. فقانون
الشريعة الإسلاميّة جعل الطلاق
بيد الرجل وليس المرأة، ولذلك
فتداعياته تختلف بالنسبة للمرأة
عن الرجل.. فقد توضع في ظروف
تجعلها تتوسّل وتركض في المحاكم
وتتنازل عن حقوقها المشروعة من
أجل الطلاق.. وقد تُفاجأ بتطليق
زوجها لها بكل يسر وسهولة هكذا
ودون سابق إنذار أو ترتيب..
والطلاق في الرواية أخذ صفة
المنحة التي تستجديها المرأة..
وهذا واقع... وصورة تقليدية.. هذا
على الرغم من حقيقة أن الطلاق هو
نتيجة تعثّر الحالة الزوجية والتي
مثلها مثل غيرها من الحالات قد
تنجح وقد تفشل، ويجب أن يكون هذا
الطلاق حلاً وليس مشكلة.. حلاً
لكلا الطرفين يمكنّهما من استرداد
حياتهما ومتابعة السير قدماً.
وهكذا، لم يكن بإمكاني التحايل
على مشاعري تجاه بعض القضايا التي
تطرقت لها هذه الرواية فكان في
تناولها تعرية للواقع بحسناته
وسيئاته. وهناك موضوع ليس بجديد
وهو بالغ في القدم نسبياً وقد أخذ
نصيبه في مختلف المحافل وتم
تداوله لغاية الآن تداول العملة
بين الأيدي، إلا أنه يبقى قريباً
إلى نفسي كأنثى فشعرت بإلحاح شخصيّ
وخاص إلى تناوله بقدر الإمكان
وعدم تجاهله في هذه الرواية.. ألا
وهو معاناة المرأة وسط مجتمع يصرّ
أن يبقى ذكوريّا مهما حاولت
المرأة أن تصبح عضواً فعالاً
وشخصيّة مستقلة تعمل جنباً إلى
جنب مع الرجل وتصبح مكملة له
وليست تابعة له. ويكفي المعاناة
التي تتكبدها المرأة إذا دعتها
الظروف للّجوء إلى طلب الطلاق كي
نُقِرّ ببقاء هذه النزعة
الذكوريّة قائمة والتي أعتقد أنها
تبدو في طريقها إلى التلاشي من
الظاهر فقط.. فبقايا جذورها ما
زالت تتشبث في عقولنا تشبث الشجرة
بالأرض وهي تتحكم بجوهر هذا
المجتمع وآليته.. *
آذار 2006 العدد الرابع أنــت
لمزيد من المقالات |