لمزيد من المقالات

جريدة "الرأي" الأردنيّة الجمعة 9 آذار 2007

قراءة هالة صالح

تولي الكاتبة سوزان الراسخ في روايتها "إمرأة على أرجوحة الزمن" (دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، بدعم من أمانة عمان الكبرى 2007)  اهتماماً خاصاً بالذات الأنثويّة، أحلامها وتطلعاتها وأحاسيسها ومشاعرها واشتباكها مع الآخر/ الرجل، والعالم المحيط بها، وقد تجلّى هذا الاهتمام في مستويات عدة في الرواية . ومن خلال نماذج أنثوية مختلفة عانت، وما تزال، من النظرة الذكوريّة المجحفة للمرأة. وقد ظلت معاناة المرأة الهاجس والمحور في الرواية التي جاء السرد فيها بضمير المتكلم نظرا لعناية الراسخ بإيصال الأحاسيس ومنحها شكــلاً
تُقرأ به ملتقطة تفاصيل وجزيئيات حياة المرأة –أية إمرأة- التي تلتئم وكأنما هي قطع فسيفسائيّة ترسم مشهداً ملوناً لواقع المرأة وآلامها بسبب كونها أنثى: "نشأت أنثى وحسب.. لا يهم إسمي.. أما حكايتي فهي مثل حكاية أية أنثى نشأت من قعر الزمان وجوف الأحلام" (ص7).

تحاول البطلة الهروب من واقعها الرهيب، وهي بعد صبية لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، لتستبدل بيت الزوجية ببيت العائلة.، فتجد نفسها محاطة بأسوار سجن جديد وجدران أخذت تطبق على أنفاسها بقوة. وهي إزاء هذا الواقع الجديد لا تملك إلا أن تؤدي الدور الاجتماعي المطلوب منها، بحذافيره، تنجب، تجهز الطعام، تنظف البيت، تلبي طلبات زوجها ووالديه.. ولا حق لها في الاعتراض على روتين يومها أو القيام بأي فعل يحمل طيفاً من التغيير.، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بينها وبين ذاتها من جهة، وبينها وبين مجتمعها من جهة أخرى، وهذه الفجوة التي تتسع بمرور السنوات لتصبح هوة ساحقة لا تواجهها البطلة إلا حينما تعرف بخيانة زوجها لها، ثم قراره المنفرد بالسفر إلى خارج البلاد.. إذ القرار مهما صغر أو كبر له في النهاية.

وقد شكلت هذه الأحداث مجتمعة منعطفاً بارزاً في شخصية البطلة التي قررت إكمال تحصيل العلمي والالتحاق بإحدى الجامعات أولاً، ثم طلبها الطلاق لتنتقل من طور الطاعة العمياء إلى دور الإنسانة المتمردة على القيود، بما يشير إلى أن زمام التغيير يقع على كاهل المرأة أولاً، لتواجه مجتمعها الذكوري برفض قوانينه الجائرة والمجحفة بحقها: "لقد نطقت بأكثر الكلمات بطولة وأكثرها تألقاً في الدنيا على مدى عمري.. نطقتها كسهام انطلقت من قوس بعد أن كرهت خضوعي وتمردت"(ص 77).

وبموازاة النماذج الذكوريّة المتسلطة في الرواية ، ومنها الأب والأخوة، والزوج، هنالك نماذج ذكورية تنظر إلى المرأة كإنسانة كاملة، وشريك فاعل ومؤثر. ما يشير إلى أن الرجل الذي يمارس سلطة غير محدودة على المرأة هو ضحية سلطة تمارس عليه من قبل أفكار اجتماعية متوارثة لا يستطيع الفكاك من إسارها، وإن فعل فإنه يحرّر ذاته أولا، ويتخلص من النظرة الدونيّة السائدة للمرأة ثانيا. ومثال ذلك شخصية "خالد محسن" الأستاذ في كلية الطب والشاعر، إذ تبدو شخصية منفتحة بأفكارها، مدركة لدور المرأة وقدراتها وإنسانيتها، ما يحمل البطلة (السارد بضمير المتكلم) إلى الاندفاع باتجاهه، لتستعيد معه أحاسيس لم تجربها من قبل، وهو ما يكشف عنه الحوار الذي يدور بين بطلة الرواية وأختها الكبرى "وداد" بعد لقاء جمعها به "عندما عدت إلى البيت حدثت وداد أخيراً عن ذلك الرجل الي نجح في أن يأخذني بعيداً إلى عالم غير العالم الذي اعتدت عليه عنك.. وحبك الذي جعل للحياة طعماً مختلفاً ومذاقاً خاصاً..

قلت لها: لا أدري إذا انتهكت المعايير الأخلاقية، ولكن ذلك لا يمنع من كوني أحبه وأنني سعيدة بذلك الحب.. إنه الشيء الذي افتقدته وتقت إليه منذ زمن" (ص 135).

وعلى غير ما ظهرت عليه النماذج الأنثوية التي تنساق لما يفرضه المجتمع عليها، راضية، رغماً عنا، بما يملى عليها ويحكم تصرفاتها في كل شاردة وواردة، بدت وداد الأخت الكبرى للبطلة ذات شخصية مستقلة وواعية، أكملت تحصيلها العلمي في مصر، وعاشت في بيت مستقل رغم معارضة العنصر الذكوري في العائلة لهذه الخطوة. وداد ورفيقاتها يدركن مكمن الخلل في التركيبة الاجتماعية في بيئتهن التي تجعل السلطة والأمر والنهي بيد الرجل، فيما المرأة مستلبة وضعيفة الإرادة، وهنّ يحاولن تغيير المسلمات في هذه التركيبة، على مستوى حياتهن الخاصة، وحياة المرأة الشرقية عامة، وهو ما يترك بالغ الأثر في شخصية البطلة التي تقرر تغيير مسار حياتها كاملة: "عندما ذهبت إلى الاجتماع وبدأ النقاش احسست بجو ملأني بالرضا والفخر، وفي الوقت نفسه بشيء من الخجل، لقد وجدتهن يختلفن عني وعن النساء اللواتي أعرفهن في حياتي، الجارات وصديقات الصدفة"(ص60)

وقد عمدت الكاتبة إلى التركيز على المرجعيات المعرفية لشخصياتها الروائية والتكوين الاجتماعي والفكري لها، في فترة زمنية امتدت لسنوات، لا باعتمادها على التلاعب بالمزمن تقديماً عبر السرد، وتأخيراٍ عبر الاسترجاعات والاستذكار فقط، بل بعملها أيضاً على تجميد اللحظات الزمنيّة وإيقاف تطور الأحداث الدراميّة، لصالح ملامح الشخصيات الأنثوية التي تكشف عن القهر الداخلي، والإحساس بالظلم، مما أدى إلى بطء في تصاعد الأحداث دراميا وتسكين الشخصيات، خصوصا الأنثويّة، في بداية الرواية، لتفعلها في النهاية، ما يلفت إلى قدرتها على تغيير واقعها ولو بشكل طفيف.

جاءت الرواية وفق بناء كلاسيكي، وقسمتها الكاتبة إلى مقاطع يتناول كل منها حادثة ما، أو موقفاً ما يزال راسخاً في ذاكرة البطلة، وتلتقي المقاطع في النهاية عند ثيمة واحدة، هي طرح مأساة المرأة وسط مجتمع يصر على تهميشها مهما حاولت أن تصبح عضواً فعالاً وشخصية مستقلة تعمل جنباً على جنب مع الرجل. وبدن عناية الكاتبة بالوصف المشهدي واضحة في الرواية التي اتخذت شكلاً هرميّاً لملامسة الواقع اليومي، ليس فقط من حيث اعتمادها على التسلسل المنطقي للأحداث، وإنما من حيث تطور شخصياتها الفكري، وأقول فكرياً فقط لأنها لم تتمكن من ترجمة رؤاها على أرض الواقع الذي يحتاج تغييره إلى سنوات قد تمتد لأجيال.!

لمزيد من المقالات