لمزيد من المقالات

مجلة مرياج العدد الخامس / أيار 2007

مقابلة مع مجلة " مرياج "

الكاتبة سوزان الراسخ
إمرأة على أرجوحة الزمن
مجلة "
مرياج" العدد الخامس /أيار 2007

كتاباتها تأتي من الواقع. طرقت باب التاريخ والتراث فوضعت مدينتها نابلس في محط الأنظار والعيون وهي تقدم بانوراما مميزة عن مدينة عريقة، أما روايتها الثانية فكانت أيضا من الواقع ولكنها تناولت من تشكل نصف المجتمع ومن هي الأم والأخت والإبنة والزوجة، تناولت حياة المرأة وما تمر به ضمن مجتمعنا الشرقي.

"مرياج" التقت الكاتبة سوزان الراسخ وكان هذا اللقاء:

 

في البداية نودّ أن نعرف من هي سوزان الراسخ..


لقد وُلدت وتربيت ونشأت في مدينة نابلس الفلسطينيّة.. وحالياً أقيم في عمان بعد أن التحقت ببقيّة العائلة والتي أصبحت تقيم هنا. وآخر عمل لي في مدينة نابلس كان العمل في إحدى المراكز البحثيّة والذي أقفل بسبب الانتفاضة الثانية..

هل لك أعمال أخرى غير رواية "امرأة على أرجوحة الزمن"؟


رواية "امرأة على أرجوحة الزمن" هي الثانية لي بعد رواية "الحب والجسور". وبالنسبة للروايتين فهما تشتركان معاً في كونهما تنتميان إلى الرواية الواقعيّة الحديثة كونهما تتناولان الواقع دون تزيين أو تحريف وفي بنائهما العمودي في تسلسل الأحداث.. إلا أن الأولى جاءت لتتغلغل في العمق التاريخي والتراثي الشعبي والاجتماعي لمنطقة، هي فلسطين، توالت، وما زالت تتوالى عليها الكوارث والحروبات، وبالتحديد مدينة "نابلس"، فجاءت بمثابة بانورما لمشاهد عن الحقْبات العديدة التي مرّت بها، بينما الثانية "إمرأة على أرجوحة الزمن" تناولت قضايا قديمة حديثة هي بعض من معاناة المرأة في مجتمع الشرق الذكوري وعلاقتها مع من حولِها..


حدثينا عن مضمون روايتك إمرأة على أرجوحة الزمن..


روايتي "إمرأة على أرجوحة الزمن" هي حكاية من حكايةٌ من حكايات الكثيرات من النساء اللواتي نشأن ضمنَ مفاهيم وتقاليد معيّنة، تحتّم عليهنّ أن يختزلن حياتَهن كربّات بيوت فقط.. فالراويةُ مجردُ ربّةِ بيتٍ لا عمل لها سوى العنايةِ بالبيت والزوج والأولاد مربوطةٌ ببيْتِها ومطبخِها بواسطة خيوط قويّة.. إنها حكاية امرأة بسيطة تمثّل الغالبيّة العظمى من النساء لا تجدُ في ظل عزلتِها لمواجهةِ مشاكلِها وانكساراتها النابعة من خيانات زوجها وبخله العاطفي وخيبة أملها فيه، غيرَ الإنكفاءِ على ذاتِها وهي تحاولُ أن تستعيدَ التوازنَ المفقودَ منها، فقد شاءت الظروفُ أن تجعلَها تعيدُ النظرَ في كونِها امرأة، وزوجة، وأم فقط، والسيطرةُ والهيمنةُ للرجل يبيحُ لنفسه ما يشاء ويفعل ما يشاء، فتخلق ظروفاً مغايرة للتي اعتادتها، لتسلكَ مثلَ شقيقتها المراحلَ التطوريّةَ السائدةَ ثقافياً بين بعض الفئاتِ في المجتمع، والتي ساهمت في تعزيز شخصيتِها وفتحتْ أمامَها آفاقاً جديدةً من المعرفةِ للذّاتِ وما حولَها.. ومن خلالِ هذه الآفاق أخذتْ تعيدُ النظرَ في هويّتِها وفي هويةِ الرجلِ الذي تعيش معه.. وفي الرواية تتجلّى لنا الثنائيّة الضديّة في عالم المرأة، فهناك امرأة أخرى، والتي هي شقيقتُها وِداد، فعلى الرغم من نشأتِها في نفس المجتمع الذكوري المقيَّد بالحدودِ الجندريّةِ وكونِها عاشت نفسَ الظروفِ البيئيّةِ، فيها عائلة تهيمن عليها الذكوريّةُ.. لكنها، أي شقيقتَها، تمرّدتْ على هذه القيمِ والمفاهيمِ السائدةِ المقيِّدة في مجتمعِها، واستطاعت، مثلَها مثلَ كثيرات غيرَها، تحديْن الصفات السلبيّة لمفهوم الهويّةِ الجنسيّة، أن تستجمع شجاعتَها وتزيل العوائق المقيِّدة التي أوجدَها أمامَها كي تتخطّى هذه الحدود.. وتكتسبَ هويّةً ثقافيّةً بديلةً تمجّدُ الحريّةَ والكرامةَ والتعليمَ والتثقيف.

حدثينا عن تجربتك في الكتابة.. وهل ترين أن المرأة خصوصاً والرجل عموماً قد نال حقه من التقدير الأدبي والمعنوي كاملا والذي ينبع من قيمة أعماله..


أولا الكاتب عندما يضع أفكاره وخواطره على الورق فهو يعيش في تجارب معاشة من قبله أو آخرين ومما سمعه أو رآه أو في العالم المتخيل وقد تكون الرواية فضاءاً مشتركاً بين المعاش والمتخيل. أما الأمر الثاني فهو أن هذه الأيام تشهد غزارة في الأعمال الأدبية ودخَل الساحة الكثيرون سواء من الرجال أو النساء، ومن هذه الأعمال الصالح ومنها الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعتبره أدبا، فهناك دخلاء على عالم الكتابة.. وهذا العالم كغيره من العوالم له فرحه ومعاناته.. والكتابة بالنسبة لي هي فرحي الحقيقي الذي يراوغني بين الحين والآخر. ولكن هناك معاناة من نوع معين يعانيها الكاتب وتفرض نفسها على عالمه ألا وهو أن مجتمعاتنا تعاني من محنة القراءة، فنحن ليس بشعب قارئ، ولولا الدعم المادي الذي تقدمه بعض المؤسسات للكاتب في كثير من الاحيان مثل وزارة الثقافة والأمانة فقد يتعذر على الكثيرين الاستمرار في التجربة نظراً لكلفتها الهائلة..

لقد قدمت أحد العناصر الذكوريّة بشكل رجل دين فما المغزى من ذلك..؟
لا شك أن الرجل، وخاصة في الشرق، يعاني من ازدواجيّة واضحة في المعايير وتناقض حاد بين التديّن والسلوك في هذا المجال، لأنه في البيت غيره خارجه. ففي البيت ستجد أنه هو الآمر الناهي لا يطبق ما يتفوه به أمام الناس وفي كلامه وندواته ومقالاته عن حقوق المرأة داخل جدران بيته. فهو يتكلم خارج منزله ويردد شعارات و ما أن يصل إلى عتبة الدار حتى ينفضها ويتعرى منها.. بمعنى آخر فإن كل كلامه عن حقوق المرأة يعني بها كل نساء العالم ما عدا زوجته وأخته و أمه..

يعزو البعض القول بأن ما تكتبه المرأة هو أدب نسوي صرف نظراً لخصوصيته فهل توافقين على مقولة "الأدب النسوي"..؟


كما قلت في إحدى لقاءاتي السابقة فإن الكتابة هي دائما تجربة فرديّة حيّة في الواقع والمتخيّل وإن كانت تحمل هويّة نسويّة أو ذكوريّة، فهي تظل هويّة إنسانيّة على الرغم من بعض الفروقات، مثل تلك المفردات التي تعبر عما تعانيه المرأة بصفتها أنثى..

هل نستطيع أن نستخلص إلى أن قضايا المرأة هي قضايا لها السبق والأوليّة بين قضايا المجتمع..؟


أستطيع القول ومن منطلق شخصي أنني لا أدّعي أن قضية حريّة المرأة ونيلها لحقوقها يجب أن يكون لها السبق والأوليّة في لائحة قضايا المجتمع، لأننا بذلك نعتبرها قضية قائمة بذاتها، بينما هي ليست أمرا منفصلا عن الحريّات العامة بل جزءا أساسيا عنها.. فحقوقها مرتبطة بقضايا المجتمع ومتشابكة معها اشتباكاً لا فكاك فيه ولا انفصال. والمجتمع لا يمكن ينهض دون مشاركة المرأة.. ويكفي أن المرأة تمثل نصف المجتمع من جهة ولها الدور الأساس في تربية وتنشئة النصف الآخر من جهة أخرى.. وعندما أندد بسيطرة الرجل على المرأة أندد أيضا بسيطرة الرجل على الرجل وكل الممارسات ضد حقوق الإنسان فالمرأة إنسان ولها كيان قبل أن تكون إمرأة وكذلك الرجل.

في روايتك تتجلى الثنائية الضدية في عالم المرأة.. هناك "دعاء" الأنثى الطيّعة وربة البيت والتي تخضع للهيمنة الذكوريّة، وإلى جانبها شقيقتها وداد التي هي مثال للنساء اللواتي تحدين الصفات السلبيّة للحدود الجندريّة فأي العنصرين هو الطاغي في مجتمعنا هنا..؟


لا شك أن هناك خلل اجتماعي كبير فهم يقولون أن المرأة تحررت وأصبحت تتمتع باستقلاليتها ولديها قدر كبير من الثقافة إلا أنها في الواقع تابعة للرجل ويكفي أن نعرف أنها عليها أن تواجه مقايضات الرجل وتتوه في دهاليز المحاكم إذا عزفت عن استمرار العيش معه وتريد نيل حريتها. كما أنه ليس كل امرأة صامتة لا تتذمّر وتبدو وكأنها نالت حقوقها كاملة هي فعلا كذلك..

من خلال روايتك نستطيع أن نستخلص جملة من الملاحظات منها طغيان الرجل وسلوكياته المهيمنة على المرأة، فهل نستطيع تعميم ذلك على كل رجال الشرق..
أنا لا أعممه على كل رجال الكون ، فهناك إستثناءات، لكنهم قليلون.

هل نستطيع أن نلمس في روايتك إدانة لدور المرأة التقليدي كربة بيت وراعية لزوجها وأولادها..؟


في ظل التغيرات الجذرية والحديثة في المجتمع هناك حتميّة لوجود المرأة في صورة فاعلة في المجتمع، وهنا أنا لا أدين دور المرأة كزوجة وأم وربّة بيت، فمما لا شك فيه أن دور المرأة الرئيس هو العناية بعائلتها وبيتها والمشاركة مع الرجل في تنشئة الأجيال الصالحة ولكن يجب في نفس الوقت أن تكون عضواً منتجاً ليس فقط داخل الأسرة بل وخارجها. والمرأة إذا استطاعت أن تجمع بين عملها في الخارج ومسؤوليتها كأم وزوجة فهذا قمة النجاح.

ترى هل أنت الآن البصدد كتابة رواية ثانية..؟


آمل ذلك.. لكن على الرغم من أنني أتمنى أن يلهمني الله حتى أصدر رواية أخرى إلا أنني لا أستطيع أن أجزم بذلك.. فالكاتب عليه أن يتجنب التشابه والتكرار في مواضيعه، ومن أصرّ على أن يحصر كتاباته في نفس المواضيع فهو كالذي يدور حول نفسه أو في حلقة مفرغة دون أن يتقدم... ولكنني الآن أشعر بالغبطة والسرور لكوني حققت ما أردته ووضعت على الورق هذا الكم من الأفكار وأصدرته ليكون في متناول الكل.

 

لمزيد من المقالات