|
ســوزان
الراســخ :
الراسخ روائية مسكونة بالتاريخ الإنساني والجغرافي ذي الدلالات المشبّعة بالأحداث والمواقف، مما يحوّلها من موقع مكاني ثابت إلى موقع زماني مسافر عبر العصور، وهي في روايتها "الحب والجسور" تتجوّل في الزمان والمكان بكاميرا اللغة المجسدة للحدث والصورة معا
في "الحب والجسور" سيرة ذاتيّة للمكان بكل أبعاده الحياتيّة، والإنسان بكل موروثه الشعبيّ وعلاقته مع المكان ببعدها الاجتماعي والوطني.
تبدأ سوزان الراسخ روايتها بزمن قد اختارته - ولا أظنّه اختيارا عفويا- فالقصديّة واضحة تماما في هذا العام الذي يبدأ بميلاد 1913، وهو العام الذي سبق غروب الدولة العثمانيّة، لتتمكن الروائيّة من وضع ملامح لمرحله حكم العثمانيّين لفلسطين عامة، ونابلس خاصة.
تبدأ الرواية بعرس الجدة.. وفي ذلك دلالة الإمتداد الزمني لمن سبق، والتمهيد لما يأتي، وفيه دلالة العمق الزمنيّ لتواجد هذه المجموعة من الناس، خاصة وان الحديث عن المكان هو " نابلس" الذي قام العدو باحتلاله. وقريبا من هذه الدلالة سرد تفصيلي لطقوس العرس في ذلك الوقت، وكأن سوزان الراسخ تريد أن تؤكد هذا العمق الزمنيّ للتواجد من خلال عادات وتقاليد توارثها الأبناء عن الأجداد، اضافه إلى هذا كله فهي تتتبع تفصيلات المكان المعماريّة والوظيفيّة بالنسبة لحمّام العريس وغرف البيوت النابلسية والمحلات، هذا التتبع الوصفيّ الدقيق أعطى القارئ فرصه الزيارة الروحيّة للمكان، اضافه إلى دلالته على رقيّ وحضارة السكان لهذه المدينة. فثقافة الأمم تشكّلها مجموعة الأدوات والموجودات التي تقوم باستخدامها وكيفيّة الاستخدام مع مجموعة عوامل أخرى، منها طبيعة المكان الجغرافيّة، وتاريخ هذه الأمم بكل أبعاده الإنسانيّة وموروثه الاجتماعي والديني.
تحرص سوزان الراسخ بروايتها على رسم ملامح العادات والتقاليد الشعبيّة في المناسبات الدينيّة الاجتماعية مثل شهر رمضان و "السوق نازل" وعيد الأضحى والأعراس والزيارات الخاصة.. لقد قدمت لنا سوزان وصفا ممتعاً لهذا النبض الشعبيّ في نابلس بتلك الفترة الزمنيّة التي تتحدث عنها، وتأتي أهميّة الوصف للحدث والكلمة والأغنية والأدوات التي تمثل جميعها روح الشعب ومنظومة التعامل اليوميّ بين الافراد بأنها حفظت ضمن سياقها الإبداعيّ في الرواية ملامح مدينة نابلس الاجتماعيّة.
يسير في الرواية جنباً الى جنب الخط السياسي، او الصورة السياسيّة، مع الصور الاجتماعيّة المختلفة والمتنوعة، وبذلك تكتمل في الرواية صورة المجتمع النابلسيّ، اذا جاز التعبير، في الحقب الزمنيّة المختلفة التي تسير ضمن احداث الرواية. وأظن أن ذلك كله لم يأت رغبة لتأريخ الأحداث، بل كانت هذه الأحداث مشاركة في المنظومة الاجتماعيّة للحياة العامة في ذلك الزمن، وهذا ما جعلها مكمّلة للإطار العام للرواية وليست خارجة، مثل قضيّة التجنيد الذي تفرد له صفحات مهمة والوقوف على أمور كثيرة، منها الاجتماعيّة ومنها السياسيّة والدينيّة، ذلك بأنها قد اختارت الفترة الأخيرة للحكم العثمانيّ والذي تمثّل في انهيار هذه الدولة ونرى من خلاله إلزامية الخدمة العسكريّة عبئاً على المجتمع مزودجاً إنسانياً ومادياً، اضافة الى المفهوم الديني الذي تمثله الدولة العثمانيّة والتي يحاربها دول الحلفاء.
لم يغب الحسّ الإنساني عن أحداث الرواية منذ بداية الحكاية -العرس بغنائه وتهاليله والولادات التي تبعته- الى نهاية الحكاية.. حيث عودة أيمن في يوم شتائي الى حضن حبيبته. ولنا ان نلاحظ هذه النهاية المتحركة التي تضج بالولادة كما العرس.. انه يوم شتائي بدلالة الشتاء/الولادة..!!
وبين عرس الجدّه وعودة ايمن علاقات انسانيّة حميمة بين افراد المجتمع النابلسيّ وبين أفراد الأسرة الواحدة، تتوالد فيها قصص من الحب والوفاء، يأتي كل ذلك ضمن سياق درامي مرتبط بالزمان والمكان، إضافة الى العادات الخاصة بالأسر النابلسية والمجتمع النابلسي التي تكون واضحة من خلال سلطة الكبير في البيت،الى حجاب المرأة، والنظرة المجتمعية للرجل العازب أو البنت العزباء..
واذا كان الحسّ الإنساني لم يغب، فان الحس الوطنيّ موجود بقوة.. فهو وليد المتغيّرات التي حدثت في نابلس منذ خروج الاتراك الى دخول الانجليز ونهاية الى تسليم اليهود كل هذا الوطن لهم. وليس غريبا ان تذكر سوزان الراسخ التواريخ المهمة في حياة هذه المدينة والتي ساهمت في التغيّرات الاجتماعيّة والاقتصاديّة عامة، اضافة الى تتطرقها إلى بعض الحركات الوطنية التي عمت بلاد فلسطين عامة ونابلس خاصة منها إضراب عام 1936 وأرى ان كل ذلك جاء ضمن سياق دراميّ متّصل ومتوازن ما بين الحدث والمكان الذي لم يفته الإبداع الوصفيّ والسرديّ بلغة قريبة من روح الحدث المحكي عنه. فهناك توازن ما بين اللغة والحدث.. فمثلا عندما تتحدث عن رمضان وطقوسه في نابلس تأخذ المفردات الروح الدينيّة عند عامة الناس وكأنها قريبة من العاميّة.. وحين يكون الحديث عن الحرب العالميّة الثانية أو مؤتمر الصلح فان الأمر يختلف. من هنا ندرك وعي سوزان الراسخ في اصطياد المفردة المناسبة للحدث.
تقف سوزان الراسخ مطوّلا عند أحداث 1948 والهجرة الاولى لأبناء فلسطين من المدن الرئيسيّة ومنها يافا.. خاصة وان أحمد قد تزوّج من الصبيّة الفتيّة سحر، بنت يافا عروس البحر، ومن الطبيعي ان يهاجر اهلها الى نابلس في زيارة او لجوء الى ابنتهم. وهنا لا يفوت سوزان أن تصف الحسّ الجمعي الفلسطيني نحو هذه النكبة الأولى التي حلّت بالأهل.
مثلما أفردت سوزان مساحات معقولة للحركة الوطنية في مرحلة الانتداب الانجليزي فإنها لم تنس ان تتحدث في سياق الرواية عن المواجهات والصدامات مع العدو الصهيوني والتي عاشت هي نفسها بعضا منها لكنها مرّت سريعة عن الفترة ما بين 1948 و 1967 دون ذكر يتوازن مع هذه الفترة الزمنيّة ومع ما منحته لسنوات أقل من ذلك، وأعني هنا من 1913 ولغاية 1917، وهي فترة العثمانيّين. لكنها استطاعت ان ترصد الحركة الاجتماعيّة والوطنيّة ما بعد ذلك رصدا عوّض ما فاتها من تقصير.
في النهاية أرى ان هذه الرواية هي مزيج من علاقة الانسان بالمكان وعلاقة الانسان بالإنسان وربط كل ذلك بالزمن ذي الدلالات الحياتيّة.
حسن ناجي كاتب وشاعر
لمزيد من المقالات |