إحصل على نسختك الآن

مقالات تخص الرواية

رواية "الحب والجسور"

لقد خطر لي أن أُصدر روايتي "الحب والجسور" بعد أن تجمعت لديّ الكثير من الأفكار والصور على الورق وجدتُها تصلح لأن تكون نواةً لرواية تدور حول مدينة نابلس الفلسطينيّة وعالم المواطن الفلسطيني كرمز لجميع المدن الفلسطينيّة وما عصفت بها من تيارات مختلفة على جميع الأصعدة-  وليس حصراً فقط على الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي وتداعياته-  لتتناول مُجمل الكثير من القضايا والتحوّلات السياسيّة والفكريّة والاجتماعيّة التي مرّ بها الوطن الفلسطيني.

 فهناك الرحيل إلى أجواء الأجداد والآباء.. أجواء الحرب العالميّة الأولى.. والثانية.. والحكم العثماني وسفر برلك وتغلغل الوجود الصهيوني في فلسطين والهجرة سنة 1948 لتصل بنا إلى حرب الـ 1967 ومأساة سقوط المدن الفلسطينيّة عامة ونابلس خاصة وتداعياتها واتفاق أسلو ومدى واقعية استحقاقته وانتفاضة الحجارة، فجعلْتُكل حَقبة تعبّر عن خصائصها ومعالمها بأفراحها وهمومها...

   وفي الرواية تستطيع أن تلمس نابلس بكل حُمولاتها.. بلدتها القديمة بأزقتها وحاراتها وأسواقها بمسمّياتها وبيوتها العتيقة.. حمّاماتها ومصانع الصابون فيها ومحلات الكنافة وصورها الشعبيّة وجبليْها "جرزيم و "عيبال" ولهجة أهلها..


تأخذ الرواية شكلاً هرمياً وهي تروي لنا على لسان "صفاء"، وهي ابنة عائلة فلسطينيّة، أحداثاً وروايات تعود إلى العام 1913 وجدَتُها عروساً بملابسها البيضاء الزاهية لتبدأ الحكاية وكأن الراوية "تعتلي الكرسي في صدر المقهى كالحَكَواتي لتروي فتطرب الآذان وتصمت فتحبس الأنفاس" لتصبح امتداداً للعمق التاريخي والتراثي لمدينة نابلس الفلسطينية وغيرها من المدن الفلسطينية لتأخذ شكلاً هرمباً في بنائها وهي وتتقدم إلى الأمام حتى تصل بنا إلى أيامنا الحاضرة بعد أن جابت بنا في عوالم قديمة من بصَمات التاريخ وأجواءً أحيانا حزينة وأحياناً مُفرحة في مجملها، أثيرة على كل فلسطيني دون الكثير من الاستغراق والإسهاب الكثير، نابعة من رحم الوجود والواقع وتفاصيل الحياة.. يتخلل كل ذلك ومضة حب رومانسيّة حالمة بين الراوية "صفاء" و "أيمن" وقد جمعتهما ظروف الاحتلال في بوتقة واحدة بعد أن التقيا بظروف غريبة هي مَحْض صدفة من أجل تسليم "صفاء" "ايمن" منشور وطني.


وتتركنا الراوية في النهاية وسط أجواء غامضة وواقع النفي والتهميش.. لا تُنذر بشيء مضيء يلوح في الأفق على الرغم من تغيّر كل شيء. فنابلس ما زالت تَرزح تحت الاحتلال مع أنها كبُرت وامتدت .. نمَتْ.. ولكنه نموٌ عشوائي. أما باقي شُخوصها فقد مات منهم من مات.. وكبُر من كبر .. فـ  "صفاء" ذات الشخصيّة المرحة اللاهية في بداية الرواية أصبحت ترى في عيني حبها الكبير "لأيمن" الواقع حولها مهزوم بآليات القمع والغدر والخيانة.. تغيّرت حتى الأعماق ونضجت فكرياً وعاطفياً.. أما "أيمن"، والذي ضحى بالكثير والآمال تداعبه في أنه سوف يأتي يوم ينتفض فيه الناس ضد الاحتلال وينتصر، تنتهي الرواية به وقد كبُر في دروب الإبعاد والزمان بعد أن التهمت الكثير من جسده فخلّفته ضئيل الجسم أشيب الشعر بساق واحدة ووجه قد تغيرت معالمه وهو يقول "أنا لا أشعر بالندم على ما فات.. ولكنني لا أستطيع أن أمحو المرارة من داخلي ..!".


وكما قلت في نهاية الكتاب فإن هذه الرواية ".. كتبت بقلم فلسطيني لتسلط الضوء على بعض المشاهد اليوميّة لعالم المواطن الفلسطيني المليء بالحروب والكوارث، فجاءت بمثابة ذاكرة فيها تلخيص للحياة الإنسانيّة الفلسطينيّة وهي تختصر الهموم الفلسطينيّة وتاريخ أوجاعها بحروبها وشتاتها وانتفاضاتها ضد المحتلين الأجانب عبر الأزمان. مُفعمة بأحداث قد يكون بعضها مألوفاً للجميع والبعض الآخر لم يعد يُقال وقد بدأت تلفه ستائر النسيان، لتعود فتنعش ذاكرة الأجيال الكبيرة والذين عاشوا على منعطفات فصولها وتساعد الأجيال الصغيرة على التجوّل في أزقة الماضي السحيق وربطه بالحاضر القريب والبعيد.."


سوزان الراسخ